الشيخ محمد علي الأنصاري

638

الموسوعة الفقهية الميسرة

حصول العلم من التواتر ، فقد قال بعد أن جعل ضابط التواتر الكثرة العددية : « ولكن لا يوجد تحديد دقيق لدرجة هذه الكثرة التي بسببها يحصل اليقين بالقضيّة المتواترة ؛ لأنّ ذلك يتأثّر بعوامل موضوعيّة مختلفة وعوامل ذاتيّة أيضاً » « 1 » . والعوامل الموضوعيّة التي ذكرها هي : 1 - درجة الوثاقة والتصديق لكلِّ مخبرٍ من مخبري التواتر ، فكلّما كانت درجة الوثاقة أكثر ، كان حصول العلم بمؤدّى الخبر أكثر ، بناءً على حساب الاحتمالات . 2 - نوعيّة القضيّة المتواترة من حيث كونها مألوفة أو غريبة عن الأذهان ، فكلّما كانت مألوفة أكثر ، كان احتمال الإصابة للواقع أكثر ، وبالنتيجة حصول العلم منه أكثر . 3 - تباين الشهود والمخبرين في أوضاعهم الحياتيّة والثقافيّة والإجتماعيّة ، فإنّه كلّما كانوا متباينين في ذلك كان احتمال إصابة إخبارهم للواقع أكثر ، ولذلك اشترط بعض المتقدّمين أن يكون المخبرون من بلدان أو مِلل أو أُمم مختلفة ، والنكتة هي أنّ تباين المخبرين يكون مؤثّراً في ارتفاع احتمال الإصابة للواقع . 4 - قرب مدرك الخبر ومستنده إلى الحسّ ، فكلّما كان مستند الخبر أقرب إلى الحسّ كان احتمال الخطأ فيه أقل واحتمال الإصابة فيه أكثر ، والعكس بالعكس . فالمخبرون عن نزول المطر استناداً إلى مشاهدة نزوله ، يكون إصابتهم للواقع أكثر ممّن أخبروا عن نزوله استناداً إلى سماع صوت الرعد ورؤية بريق البرق . ومثله الشهادة على العدالة التي هي أمر باطني لكنّها مستندة إلى صفات ظاهريّة للشخص ، فإنّ احتمال الإصابة فيها أقلّ من الإخبار المستند إلى الحسّ . وأمّا العوامل الذاتيّة التي ذكرها ، فهي : 1 - حالة الوسوسة والبطؤ الذاتي للذهن ؛ فإنّ الناس يختلفون في سرعة حصول اليقين لهم وبطئه اختلافاً ذاتيّاً مع وحدة الدليل الموضوعي ، فكلّما كانت الحالة الذهنيّة الذاتيّة للإنسان أبطأ ، كان حصول التواتر بالنسبة إليه أبطأ ، والعكس بالعكس أيضاً . 2 - وجود الشبهة ، فإذا كان الإنسان يعتقد بخلاف مؤدّى الخبر ، بحيث صار مألوفاً له ، فإنّها قد تشكّل مانعاً ذاتيّاً تقف أمام سرعة حصول اليقين بالتواتر . 3 - العاطفة ، فإنّها أحياناً تحكم على الإنسان وعقله فيما إذا كانت القضيّة المتواترة على خلاف عاطفته وطبعه ، فتكون حجاباً بينه وبين حصول اليقين فيبطأ حصوله « 2 »

--> ( 1 ) أُنظر دروس في علم الأُصول ( الحلقة الثالثة ) 1 : 184 - 186 . ( 2 ) أُنظر : المصدر المتقدّم ، وبحوث في علم الأُصول 4 : 332 - 334 .